مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

148

شرح فصوص الحكم

المراد من قوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ هم العالمون بالمشاهدة ( وهم ) أي أولو الألباب ( الناظرون في لب الشيء الذي هو المطلوب من الشيء ) ولب الشيء وهو جهة حقية فمن نظر في هذه الجهة يشاهد الحق فيها فهو العالم ( فما سبق ) أي فما تقدم في رتب العلم باللّه ( مقصر ) وهو الذي يطلب تحصيل العلم بنظر العقل وهو مسمى بأهل النظر ( مجدا ) وهو أهل التصفية والمجاهدة وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا فهم يطلعون لب الشيء ويعلمونه على ما هو عليه فلا مذامّ من حيث اللب فالمتقون هم الذين اتخذوا وقاية من حيث اللب لا من حيث الصورة فإن صورة الأشياء كلها حدوث والحدوث كله مذامّ في حق الحق لا ينسب إلى اللّه تعالى عند أهل اللّه وكذلك كل ما ينسب إلى كسب العبد لا ينسب من هذا الوجه إلى الحق . ولما بين الفرق بين المقصر والمجد في العلم أراد أن يبين الفرق بينهما في العمل بقوله : ( كذلك لا يماثل أجير ) وهو الذي يعمل للنجاة عن النار والدخول في الجنة ( عبدا ) وهو الذي يلازم باب سيده بمقتضى أوامره من غير طلب الأجر من عبادته فكم بينهما فالمراد أن أهل الظاهر لا يصل إلى درجة أهل اللّه لا في العلم ولا في العمل فقد علمت مما ذكر أن الحق قد يكون وقاية للعبد والعبد قد يكون وقاية للحق ( وإذا كان الحق وقاية للعبد بوجه ) أي من حيث كون الحق ظاهر العبد هذا ناظر إلى قوله : أين المتقون ( والعبد وقاية للمحق بوجه ) أي من حيث كون العبد ظاهر الحق فقد حصل في تلك المسألة خمسة أوجه كلها صحيحة لكنها يتفضل بعضها على بعض فشرع في تفصيلها بجزاء الشرط وهو قوله : ( فقل في الكون ) أي في حق الكون ( ما شئت إن شئت قلت هو ) أي الكون ( الخلق ) باعتبار وقاية لكون الحق ( وإن شئت قلت هو الحق الخلق ) بالجمع بينهما ( وإن شئت قلت لا حق ) أي الكون لا حق ( من كان وجه ولا خلق من كل وجه ) فصدق سلب إيجاب الكلي فلا يصدق أصلا في الكون إيجاب الكلي لا في الحقية ولا في الخلقية ( وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك ) أي في حق الكون فمن قال بالحيرة لم يصدر منه حكم في حق الكون فإذا قلت بهذه المقامات ( فقد بانت ) أي ظهرت ( المطالب بتعيينك المراتب ) وكل ذلك تحديد الحق ( ولولا التحديد ) أي ولو لم يقع التحديد في نفس الأمر ( ما أخبرت الرسل بتحول الحق في الصور ) وهو ما جاء في الخبر الصحيح أن اللّه يتجلى للخلق يوم القيامة في صورة منكرة فيقول : أنا ربكم الأعلى فيقولون : نعوذ باللّه منك فيتجلى في صورة عقائدهم فيسجدون له ( ولا وصفته ) أي ولا وصفت الرسل الحق ( بخلع الصور عن نفسه ) أي لم يقولوا إن اللّه يتجلى يوم القيامة خاليا عن الصور بل قالوا إن اللّه يتجلى في الصور والصور كلها محدودة فالحق المتجلي في المحدود ومحدود فكان الحق هو الظاهر في كل صورة فحينئذ ( شعر : فلا تنظر العين ) في الحقيقة ( إلا إليه ) لكنه لا يعلم من احتجب بالصور ( ولا يقع